محمد حسين هيكل

80

حياة محمد ( ص )

وجاءت مراضع بني سعد إلى مكة يلتمس الأطفال لإرضاعهم . وكنّ يعرضن عن اليتامى لأنهن كنّ يرتجين البرّ من الآباء . أمّا الأيامى فكان الرجاء فيهن قليلا ؛ لذلك لم تقبل واحدة من أولئك المراضع على محمد ، وذهبت كلّ بمن ترجو من أهله وافر الخير . حليمة بنت أبي ذؤيب على أن حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية التي أعرضت عن محمد أوّل الأمر كما أعرض عنه غيرها لم تجد من تدفع إليها طفلها ؛ ذلك أنها كانت على جانب من ضعف الحال صرف الأمهات عنها . فلما أجمع القوم على الانطلاق عن مكة قالت حليمة لزوجها الحارث بن عبد العزّى : واللّه إني لأكره أن أرجع مع صواحبي ولم آخذ رضيعا ، واللّه لأذهبن إلى ذلك اليتيم ولآخذنه ! وأجابها زوجها : لا عليك أن تفعلي ، عسى اللّه أن يجعل لنا فيه بركة . وأخذت حليمة محمدا وانطلقت به مع قومها إلى البادية . وكانت تحدّث أنها وجدت فيه منذ أخذته أيّ بركة : سمنت غنمها وزاد لبنها ، وبارك اللّه لها في كل ما عندها . وأقام محمد في الصحراء سنتين ترضعه حليمة وتحضنه ابنتها الشّيماء ؛ ويجد هو في هواء الصحراء وخشونة عيش البادية ما يسرع به إلى النموّ ويزيد في وسامة خلقه وحسن تكوينه . فلما أتمّ سنتيه وآن فصاله ذهبت به حليمة إلى أمه ثم عادت به إلى البادية ، رغبة من أمه ، في رواية ، ومن حليمة في رواية أخرى ؛ عادت به حتى يغلظ ، وخوفا عليه من وباء مكة . وأقام الطفل بالصحراء سنتين أخريين يمرح في جوّ باديتها الصحو الطلق لا يعرف قيدا من قيود الروح ولا من قيود المادة . قصة شق الصدر في هذه الفترة وقبل أن يبلغ الثالثة تقع الرواية التي يقصونها من أنه كان مع أخيه الطفل من سنّه في بهم لأهله خلف بيوتهم ؛ إذ عاد أخوه الطفل السعديّ يعدو ويقول لأبيه وأمه : ذلك أخي القرشيّ قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه ، فهما يسوطانه « 1 » . ويروى عن حليمة أنها قالت عن نفسها وزوجها . « فخرجت أنا وأبوه نحوه ، فوجدناه قائما ممتقعا وجهه ، فالتزمته والتزمه أبوه ، فقلنا له : مالك يا بنيّ ؟ قال : جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني فشقّا بطني فالتمسا فيه شيئا لم أدر ما هو » . ورجعت حليمة ورجع أبوه إلى خبائهما . وخشي الرجل أن يكون الغلام أصابته الجن . فاحتملاه إلى أمه بمكة . ويروي ابن إسحاق في هذه الواقعة حديثا عن النبيّ بعد بعثه . لكن ابن إسحاق يحتاط بعد أن يقص هذه القصة ويذكر أن السبب في ردّه إلى أمه لم يكن حكاية الملكين وإنما كان ، على ما روته حليمة لآمنة ، أنّ نفرا من نصارى الحبشة رأوه معها حين رجعت به بعد فطامه ، فنظروا إليه وسألوها عنه وقلّبوه ثم قالوا : لنأخذن هذا الغلام فلنذهب به إلى ملكنا وبلدنا ؛ فإن هذا غلام كائن له شأن نحن نعرف أمره ؛ ولم تكد حليمة تنفلت به منهم . وكذلك يرويها الطبري ، لكنه يحيطها بالريبة ؛ إذ يذكرها في هذه السنة من حياة محمد ، ثم يعود فيذكر أنها وقعت قبيل البعث وسنّه أربعون سنة . لا يطمئن المستشرقون ولا يطمئن جماعة من المسلمين كذلك إلى قصة الملكين هذه ويرونها ضعيفة السند . فالذي رأى الرجلين في رواية كتّاب السيرة إنما هو طفل لا يزيد على سنتين إلا قليلا ، وكانت كذلك سن محمد يومئذ . والروايات تجمع على أن محمدا أقام ببني سعد إلى الخامسة من عمره . فلو كان هذا الحادث

--> ( 1 ) أي : يخوضانه ويقلبانه .